ابن قيم الجوزية
112
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
قال عمر بن الخطاب : لو كان اللّه سبحانه تاركا لابن آدم شيئا ، لترك ما عفت عليه الرياح من أثر . وقال مسروق : ما خطا رجل خطوة إلا كتبت له حسنة أو سيئة . والمقصود أن قوله وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ( 12 ) [ يس ] وهو اللوح المحفوظ ، وهو أم الكتاب ، وهو الذّكر الذي كتب فيه كل شيء ، يتضمن كتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها . والإحصاء في الكتاب يتضمن علمه بها ، وحفظه لها ، والإحاطة بعددها ، وإثباتها فيه . وقال تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 ) [ الأنعام ] . وقد اختلف في الكتاب هاهنا ، هل هو القرآن أو اللوح المحفوظ ؟ على قولين : فقالت طائفة : المراد به القرآن ، وهذا من العام المراد به الخاص ، أي : ما فرّطنا فيه من شيء يحتاجون إلى ذكره ، وبيانه ، كقوله : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ( 89 ) [ النحل ] ويجوز أن يكون من العام المراد به عمومه ، والمراد : أنّ كل شيء ذكر فيه مجملا ومفصّلا ، كما قال ابن مسعود ، وقد لعن الواصلة والمستوصلة : ما لي لا ألعن من لعنه اللّه في كتابه ؟ ! فقالت امرأة : لقد قرأت القرآن فما وجدته ، فقال : إن كنت قرأتيه فقد وجدته ، قال تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ( 7 ) [ الحشر ] . ولعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الواصلة والمستوصلة « 1 » .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5934 ) ، ومسلم ( 2123 ) عن عائشة . وفي الباب عن أسماء وأبي هريرة وابن عمر .